محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي

87

أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه

ابن إسحاق ، قال : حدّثني وهب بن كيسان ، أنه سمع عبد اللّه بن الزبير - رضي اللّه عنهما - يسأل عبيد بن عمير الجندعي « 1 » عن بدوّ أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قال عبيد : كان صلّى اللّه عليه وسلم يجاور بحراء من كل سنة شهرا ويطعم من جاءه من المشركين فإذا قضى جواره ، لم يصل إلى بيته حتى يطوف بالكعبة ، فبينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بحراء وكان يقول : « لم يكن من الخلق شيء أبغض إليّ من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق النظر إليهما ، فلما ابتدأني اللّه - عزّ وجلّ - بكرامته ، أتاني رجل في كفه نمط « 2 » من ديباج فيه كتاب ، وأنا نائم ، فقال : اقْرَأْ فقلت : وما أقرأ ؟ فغطّني ، حتى ظننت أنه الموت ، ثم كشط عني ، فقال : اقْرَأْ فقلت : وما أقرأ ؟ فعاد لي مثل ذلك ، فقال : اقْرَأْ فقلت : وما أقرأ ؟ فعادوني بمثل ذلك . فقلت : أنا أمّيّ ، ولا أقولها إلا تنحيا من أن يعود لي بمثل الذي فعل بي ، فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ إلى قوله : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ثم انتهى كما كان يصنع بي . قال : ففزعت ، فكأنما صوّر في قلبي كتابا ، فقلت : إنّ الأبعد لشاعر أو مجنون . فقلت : لا تحدّث عني قريش بهذا ، لأعمدنّ إلى حالق من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلها ، فخرجت ، وما أريد غير ذلك ، فبينا أنا عامد لذلك إذ سمعت مناديا ينادي من السماء : يا محمد ، أنت رسول اللّه ، وأنا جبريل ، فذهبت أرفع رأسي ، فإذا رجل صافّ قدميه في أفق السماء ، فوقفت لا أقدر على أن أتقدّم ولا أتأخّر ، وما أصرف وجهي في ناحية من السماء إلا قد رأيته ، حتى بعثت خديجة - رضي

--> التاريخ 2 / 206 - 207 من طريق ابن إسحاق ونقل بعضه الصالحي في سبل الهدى 2 / 311 - 316 . ( 1 ) هو : الليثي ، وجندع : بطن من ليث . الأنساب 3 / 346 . ( 2 ) النمط : وعاء كالسفط .